تمهيد: تهدئة مرحلية… ومعركة سياسية ممتدة
إذا أُعلن عن تهدئة مرحلية في الأيام القليلة المقبلة (بإخراجٍ رئاسي أميركي محتمل خلال زيارة نتنياهو)، فستتحول الستون يومًا التالية إلى ساحة تنازع على “اليوم التالي”: ستسعى الحكومة الإسرائيلية، مدعومة بواشنطن، إلى تحويل المكاسب الميدانية إلى إنجازات سياسية تُبقي غزة أقل قابلية للحياة وأكثر عرضة للتحكم الأمني والإداري غير المباشر، عبر استكمال ما عجزت عنه القوة العارية من خلال أدوات الحصار، وإدارة المساعدات، وترتيبات “الأمن” والمعابر.
منطق التفاوض: النتائج تُصاغ على الأرض لا على الطاولة
المفاوضات إما تنجح، أو تطول بلا نتيجة، أو تفشل. لكن جوهرها أن مخرجاتها تعكس حقائق القوة على الأرض أكثر مما تعكس كفاءة المفاوض وحدها. وعليه، تبدأ أي مقاربة رشيدة بـتشخيص واقعي:
توازن القوى الراهن بعد 21 شهرًا: دمار واسع واحتلال لثلثي القطاع، انقسام فلسطيني متعمق، غياب رؤية موحدة، وانكشاف عربي متفاوت يصل أحيانًا لحد التواطؤ، مقابل تعاطف شعبي دولي قياسي وإدانات قانونية متزايدة لإسرائيل لم تتحول بعدُ إلى كوابح نافذة.
محور المقاومة: تلقى ضربات مؤلمة ووجّه ضربات رادعة حالت دون بلوغ خصومه أهداف “الحسم” (تصفير القدرات النووية/الصاروخية أو تبديل النظام)، لكن وقف النار (إن حصل) أقرب إلى هدنة قتال منه إلى اتفاق تسوية.
الإطار التاريخي: حروب لا تُحسم عسكريًا قد تُحسم سياسيًا لاحقًا (أكتوبر 1973 مثالًا)، وأخرى تجمّد الصراع دون سلام (كوريا). نحن إزاء جمود مسلح قابل للانزلاق.
إسرائيل: طموح يتجاوز القدرة وحدود الوظيفة
رغم تفوقها ونقاط قوتها البنيوية ودورها الوظيفي في المشروع الغربي، تصطدم إسرائيل بثلاثة كوابح استراتيجية:
ضيق الموارد البشرية والجغرافيا وتآكل الجبهة الداخلية.
استحالة التكيّف الإقليمي دون تبدّل جوهر طبيعتها الاستعمارية.
حقيقة الديموغرافيا الفلسطينية (أكثر من سبعة ملايين داخل الوطن) الرافضة للرحيل والخضوع.
ومع إدراك صعوبة أهداف الحدّ الأقصى (احتلال كامل، حكم عسكري، تهجير واسع، ضم شامل)، ستنزل تل أبيب على الأرجح إلى أهداف الحدّ الأدنى:
ضم انتقائي/قانوني لأجزاء في الضفة،
تكريس سيطرة أمنية على غزة (مناطق عازلة، عقد سيطرة ومعابر، محور رفح–الحدود)،
إدارة “صراع منخفض الشدة” على طريقة الضفة ولبنان: حصار، اغتيالات، اقتحامات، هندسة فوضى داخلية—من دون احتلال مباشر مكلف أو تعريض ملف المحتجزين لخطر أكبر.
عقدة إسرائيل المركزية: غياب بديل محلي قابل للحياة في غزة مع رفضها السلطة والوصاية العربية/الدولية؛ ما يجعل أي مسعى لإسقاط حماس أو نزع سلاحها رهينة حماية مباشرة لا ترغب بتحمل كلفتها.
البيئة العربية والدولية: نافذة تفاوضية أوسع… لكنها مشروطة
الخليج في موقع تفاوضي أفضل مقارنة بما قبل الحرب: هزيمة إيران كانت ستطلق يد إسرائيل أكثر، أما توازن الردع النسبي الحالي فيحدّ من اندفاعة “الحسم”.
السعودية: مرجّح استمرار شرط الدولة الفلسطينية قبل التطبيع، وهو ما تصعب تلبيته من حكومة يمين متطرف.
حراك دولي (سعودي- فرنسي) لمؤتمر دولة فلسطينية قبل نهاية العام: تصطدمه حكومة نتنياهو وغطاء واشنطن، لكنه قد يتحرك إذا تبدّلت الخريطة الحكومية الإسرائيلية نحو مقاربة “إدارة الصراع وتقليصه”.
السياسة الإسرائيلية الداخلية: تغيير أشخاص بلا تغيير اتجاه
تزيد حظوظ الليكود انتخابيًا وسط معارضة تشارك اليمين الأساسيّات الاستراتيجية، ما يرجّح استمرارية النهج مع اختلاف في الإخراج. حتى سقوط نتنياهو لا يعني تحوّلًا نوعيًا؛ أقصى الاحتمالات العودة إلى إدارة الصراع لا حله.
السيناريوهات المرجّحة
استدامة الوضع الراهن دون تسوية شاملة بين إسرائيل وإيران؛ اشتباكات موضعية وتوازن ردع مضطرب.
تسوية جزئية: كل طرف ينال جزءًا من مطالبه، أو احتواء إيران ناعمًا عبر سنوات؛ يخفف المخاطر لكنه لا ينهي الصراع.
جولة حرب جديدة لتعديل المعادلات بعد فشل “الـ60 يومًا” أو تمديدها.
المعارك بين الحروب: ترسيخ “حرب منخفضة الشدة” اقتصاديًا وسياسيًا على غزة والضفة ولبنان.
الفرص الكامنة
وحدة المعنى قبل وحدة السلطة: سرد وطني موحد يثبّت توصيف الجرائم والحقوق ويحوّل التعاطف العالمي إلى رافعات قانونية واقتصادية (محاكم، عقوبات، مراجعات توريد سلاح).
هندسة ترتيبات “سلطة متجددة” لا تكون غطاءً للسيطرة الإسرائيلية: صيغة تمثيل فلسطيني داخلي بتفويض واضح، رقابة شفافة، وبرنامج أمن مجتمعي يحول دون الانزلاق إلى الفوضى.
معادلة أمنية ذكية في غزة: ضبط اشتباك يمنع استنزافًا بلا كلفة على إسرائيل، ويُبقي أوراق الردع قائمةً دون الانزلاق لحرب شاملة، مع تحصين الجبهة الداخلية إنسانيًا وخدماتيًا.
تحالف عربي داعم لا وصيّ: رعاية عربية–دولية لمرحلة انتقالية تربط الإغاثة بإعادة الإعمار بآجال سياسية واضحة (معابر، مناطق عازلة، سلّم صلاحيات، جدول زمني).
اقتصاد صمود موجّه: حوكمة المساعدات، سلاسل توريد إنسانية، منصات شفافية رقمية، وبرامج تشغيل عاجلة تُقلل قابلية الاختراق الاجتماعي والأمني.
التهدئة لا تُساوي تسوية
التهدئة، إن أُعلنت، وقفٌ مؤقتٌ للقتال لا بدايةُ سلام. إسرائيل ستسعى لقطف “سياسة الحدّ الأدنى” وتثبيت قبضة أمنية طويلة النفس، فيما يخلق توازن الردع مساحةً محدودة للمناورة العربية والدولية. الفرصة الفلسطينية تكمن في تحويل الستين يومًا إلى رافعة بنيوية: توحيد السرد والتمثيل، قوننة التعاطف الدولي، تثبيت قواعد إدارة اليوم التالي بمرجعية وطنية لا أمنية، وبشبكة عربية–دولية لا تُعيد إنتاج الوصاية.
المعيار الحاسم لنجاح المرحلة ليس ما سيُعلن على المنصّات، بل ما سيُبنى على الأرض من مؤسسات ومعادلات ردع واقتصاد صمود. من يملك مفاتيح هذه البُنى سيتحكم فعليًا بـ“اليوم التالي”، وبالذي يليه.