أولًا: ثبات نسبي في مواجهة ضغوط الحرب
رغم الكلفة الاقتصادية الهائلة التي تكبّدتها إسرائيل جرّاء الحرب على غزة واتساع رقعتها إلى لبنان ثم إيران، أظهر الاقتصاد الإسرائيلي قدرة ملحوظة على الصمود والاستمرار في الأداء دون انهيارات هيكلية كبيرة. فقد حافظت الأسواق على نشاطها، واستمر الإنتاج في القطاعات الحيوية، وتمكنت الحكومة من تمويل عملياتها العسكرية الواسعة عبر الاقتراض وزيادة الإنفاق الدفاعي. هذا التماسك النسبي يُعزى إلى عاملين رئيسيين:
الدعم الأميركي المباشر الذي تجاوز 22 مليار شيكل منذ بداية الحرب، والذي شكّل شبكة أمان مالية مؤقتة.
البنية المتقدمة للاقتصاد الإسرائيلي الذي انتقل خلال العقدين الأخيرين من نموذج الاقتصاد التقليدي القائم على الزراعة والصناعات التحويلية إلى اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة المرتبط بالأسواق العالمية.
غير أن هذا الصمود لا يعني المناعة المطلقة، فالمؤشرات الاقتصادية بدأت تُظهر تراجعًا واضحًا في النمو، وارتفاعًا في العجز المالي والدَّيْن العام، وانكماشًا في الاستثمارات والصادرات، ما يشير إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي يعمل حاليًا بطاقة “التحمل القصوى”.
ثانيًا: التحولات البنيوية في العقدين الأخيرين
يشير المسار التاريخي للاقتصاد الإسرائيلي إلى تحوّل استراتيجي ناجح خلال العقدين الماضيين، انعكس في أداء قوي قبل الحرب. فقد بلغ معدل النمو الاقتصادي بين عامي 2010 و2019 نحو 4.2%، وتراجعت البطالة إلى 3.8%، وارتفع معدل المشاركة في سوق العمل إلى 64%، مما وفّر قاعدة إنتاجية متينة لخزينة الدولة وزاد من الإيرادات الضريبية.
كما أظهرت مؤشرات 2022 ذروة الازدهار الاقتصادي: فائض في الموازنة بنسبة 0.6%، وانخفاض الدين العام إلى 60.7% من الناتج المحلي، وطفرة في عائدات قطاع التكنولوجيا العالية والعقارات. هذا الأداء مكّن إسرائيل من التعامل بثقة مع تداعيات جائحة كورونا، وأرسى نموذجًا اقتصاديًا مرنًا يجمع بين الابتكار التكنولوجي والقدرة على التكيّف مع الأزمات.
ثالثًا: الاقتصاد والسياسة – هشاشة الارتباط البنيوي
لكن هذه النجاحات واجهت اختبارًا سياسيًا داخليًا قبيل الحرب، تمثل في أزمة “الإصلاح القضائي” عام 2023 التي قادت إلى احتجاجات واسعة، وأثارت مخاوف المستثمرين من هشاشة النظام المؤسسي. ورغم أن الضرر الاقتصادي كان محدودًا، إلا أن تلك الأزمة كشفت عن ضعف التماسك بين الاقتصاد والسياسة، وأكدت أن الاستقرار المالي في إسرائيل مرهون بمدى تماسك النظام السياسي وغياب الاستقطاب الداخلي.
اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 مثّل نقطة تحول جوهرية: فبينما كانت التوقعات تشير إلى نمو معتدل يبلغ 3% في الأعوام 2023–2024، دخلت إسرائيل فجأة في مرحلة “اقتصاد الطوارئ”، حيث أصبح التمويل العسكري أولوية مطلقة، وأُعيد توجيه الموارد نحو الأمن على حساب النمو والاستثمار.
رابعًا: الحرب وتكلفة الصمود المالي
قدّرت وزارة المالية وبنك إسرائيل أن التكلفة الإجمالية للحرب على غزة، وما تلاها من مواجهات في لبنان وإيران، قد تصل إلى 320 مليار شيكل، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ إسرائيل الحديث.
أدت هذه النفقات إلى تضخم ميزانية وزارة الأمن من 60 مليار شيكل عام 2023 إلى أكثر من 109 مليارات في 2025، ما رفع العجز المالي إلى 7% من الناتج المحلي عام 2024، وزاد الدين العام إلى 1.32 تريليون شيكل (نحو 70% من الناتج المحلي).
كما أدى استدعاء أكثر من 300 ألف جندي احتياط إلى شلل اقتصادي جزئي، خاصة في القطاعات الصناعية والتجارية، وزيادة تكاليف الإعاشة والإسكان للسكان المهجّرين من الجنوب والشمال. وفي الوقت نفسه، فقدت إسرائيل جزءًا من ثقة المستثمرين الأجانب، وتراجعت الصادرات بفعل المخاطر الأمنية، ما أدى إلى تآكل جزئي في الاحتياطات النقدية وارتفاع التضخم والفوائد البنكية.
خامسًا: سيناريوهات ما بعد الحرب – تفاؤل مشروط
توقّعات بنك إسرائيل لعامي 2025–2026 تشير إلى انتعاش تدريجي مشروط، إذ يتوقع نموًا بنسبة 3.3% و4.6% على التوالي، مع تراجع تدريجي في العجز إلى نحو 4.2% من الناتج المحلي. لكن هذه التقديرات قائمة على فرضيات غير مضمونة، أهمها:
توقف العمليات العسكرية في غزة والوصول إلى تسوية إقليمية تهدّئ الجبهات.
استقرار سياسي داخلي يسمح بإعادة بناء الثقة الاقتصادية.
استمرار الدعم الأميركي والغربي دون مشروطية سياسية أو اقتصادية جديدة.
في المقابل، تحذّر التقارير نفسها من أن استمرار الحرب أو تجددها سيُبقي الاقتصاد في حالة انكماش، ويؤدي إلى تضخم مزمن، ويجعل الحكومة مضطرة إلى تمويل متواصل لعجزها عبر الاقتراض، مما يرفع كلفة الدين العام ويقيد سياسات الإنفاق الاجتماعي.
سادسًا: قراءة استراتيجية – اقتصاد الحرب وحدود المناعة
تؤكد التجربة الإسرائيلية أن الاقتصاد القوي لا يعني اقتصادًا غير قابل للإنهاك. فإسرائيل تملك منظومة إنتاجية متطورة، لكنها تعيش تحت ضغط ثلاثي:
الاستنزاف المالي طويل الأمد الناتج عن الحروب المتعددة الجبهات.
تآكل الثقة الدولية بسبب صورة الحرب وتراجع الجاذبية الاستثمارية.
الانقسام الداخلي الذي يعمّق هشاشة القرار الاقتصادي والسياسي.
بكلمات أخرى، يتمتع الاقتصاد الإسرائيلي بقدرة مؤقتة على امتصاص الصدمات، لكنه يفتقر إلى القدرة على الاستدامة في ظل حرب بلا أفق سياسي. فمفهوم “الاقتصاد المقاوم” الذي تراهن عليه الحكومة الإسرائيلية قد ينجح مرحليًا، لكنه يحمل في جوهره بذور الإنهاك البطيء، خاصة مع تقلّص الموارد البشرية المنتجة وتزايد الإنفاق العسكري على حساب البنى التحتية والتعليم والصحة.
خلاصة استراتيجية
إن تماسك الاقتصاد الإسرائيلي في اللحظة الراهنة هو نتاج قوة تراكمية، لا دليل على مناعة دائمة. فالتاريخ الاقتصادي الإسرائيلي يثبت أن فترات الازدهار تنتهي سريعًا عندما يُستنزف الاستقرار السياسي أو تتسع رقعة الصراع. ومع أن الدعم الأميركي يشكل صمام أمان مرحلي، إلا أن استمرار الحرب، أو فشل المسارات السياسية، سيحوّل إسرائيل إلى اقتصاد أمن مستنزَف يعيش على المساعدات ويعجز عن الحفاظ على توازناته المالية.
وبذلك، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على الصمود أمام الحرب، بل إلى متى يمكنه الاستمرار في تمويل حرب بلا نهاية دون أن تتحول قوته التقنية والمالية إلى عبء استراتيجي على الدولة ذاتها.