تخطى إلى المحتوى

اليمين الإسرائيلي واستثمار حرب غزة لتكريس واقع الضم بالضفة

تُظهر المراجعة الأولية لمواقف عدد محدود من المنظمات المدنية الليبرالية في إسرائيل تجاه وقف الحرب على غزة أن ثمة تحولًا في بوصلة الاهتمام نحو الضفة الغربية، حيث تتسارع الخطوات الممنهجة لتكريس واقع استيطاني جديد، ينقل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى مرحلة “نقطة اللاعودة”. هذا التحول، كما تشير هذه المنظمات، لا ينفصل عن طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي يهيمن عليها اليمين المتطرف، والذي يرى في الحرب على غزة فرصة تاريخية لإعادة هندسة المشهد الديموغرافي والسياسي في الضفة الغربية بما يضمن استحالة قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.


أولًا: استثمار الحرب وتكريس سياسة الضم الزاحف

منذ تشكيل حكومة نتنياهو الائتلافية أواخر عام 2022، أحكمت تيارات الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير قبضتها على مفاصل القرار، معتبرة أن الظرف الراهن هو “الفرصة الذهبية” لحسم الصراع ديموغرافيًا. وتتمثل غايتها في تحويل السيطرة المؤقتة على الأراضي الفلسطينية إلى واقع دائم عبر تكثيف الاستيطان، وفرض وقائع تجعل من أي انسحاب أو فصل مستقبلي بين الشعبين أمرًا مستحيلًا.

هذا التوجه، الذي يحظى بدعم ضمني من حزب الليكود، وجد في حرب غزة غطاءً مثاليًا لتسريع وتيرة الضم العملي في الضفة الغربية، في ظل انشغال الرأي العام العالمي بدمار القطاع. وتشير تقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية إلى أن عمليات الاستيطان تسارعت بصورة غير مسبوقة خلال فترة الحرب، مع إنشاء بؤر استيطانية جديدة أسبوعيًا، رغم عدم قانونيتها حتى وفق القوانين الإسرائيلية. والأخطر أن هذه البؤر تحظى بحماية مباشرة من الجيش، الذي بات يعاني أصلًا من نقص في القوى البشرية.


ثانيًا: عنف المستوطنين وتفكك الخطوط الفاصلة بين الدولة والمليشيا

تربط المنظمات المدنية بين ازدياد البؤر الاستيطانية وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، خصوصًا الرعاة والمزارعين في مناطق (ج) من الضفة الغربية. هذا العنف، الذي وصفه رئيس الشاباك نفسه بـ”الإرهاب اليهودي”، أصبح جزءًا من منظومة الردع التي تستخدمها الدولة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين.

تحت غطاء الحرب على غزة، جرى تسليح المستوطنين بصورة علنية بقرار من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بحجة الدفاع عن المستوطنات. ووفق منظمة “بتسيلم”، أدت هذه السياسة إلى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية كليًا، وطرد مئات العائلات من أراضيها، بينما تتعرض تجمعات أخرى لهجمات منظمة ومتكررة. بهذا المعنى، أصبح المستوطنون جزءًا من الذراع التنفيذية للسياسة الحكومية، وليس مجرد فاعلين ميدانيين مستقلين.


ثالثًا: مصادرة الأراضي وتوسيع البنية الاستيطانية

تزامن تسليح المستوطنين مع توسع غير مسبوق في مصادرة الأراضي الفلسطينية عبر آلية تُعرف بـ”إعلانات أراضي الدولة”، وهي حيلة قانونية تهدف إلى تحويل ملكيات خاصة إلى “أراضي عامة” ثم تخصيصها للاستيطان. تشير بيانات منظمة “السلام الآن” إلى أن إسرائيل استولت منذ بداية عام 2024 على أكثر من 24 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل مساحة مدينة هرتسليا، وهي مساحة تفوق ما تمت مصادرته بهذه الطريقة خلال العقدين الماضيين مجتمعين.

في الوقت ذاته، يجري التخطيط لبناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية، بما في ذلك خمس مستوطنات جديدة معلنة رسميًا، الأمر الذي يعكس مسعى حكوميًا متكاملًا لإغلاق الباب أمام أي تسوية مستقبلية تستند إلى مبدأ الأرض مقابل السلام.


رابعًا: دلالات المشهد ومخاطر المرحلة المقبلة

تكشف هذه الوقائع عن تلاقي مصلحتين أساسيتين: الأولى تتعلق ببقاء الائتلاف الحكومي الذي يضم مكونات يمينية متطرفة، والثانية تهدف إلى فرض واقع جغرافي–سياسي يصعب التراجع عنه. فالحرب على غزة منحت الحكومة الإسرائيلية غطاءً داخليًا ودوليًا لتسريع مشروع الضم في الضفة، تحت ذريعة “الأمن القومي” ومكافحة الإرهاب.

إلى جانب ذلك، تستند إسرائيل إلى فرضية ثابتة مفادها أن الدعم الأميركي مضمون، حتى لو تجاوزت خطوطًا حمراء تتعلق بالقانون الدولي أو التزامات عملية السلام. هذا التصور يعمّق شعورًا متجذرًا في المؤسسة الإسرائيلية بأن واشنطن لن تُقدم على معاقبتها، بغض النظر عن هوية ساكن البيت الأبيض أو تبدّل الإدارات.


خلاصة تحليلية

تدل المؤشرات مجتمعة على أن إسرائيل تستخدم الحرب في غزة كأداة استراتيجية لإعادة صياغة واقع الضفة الغربية، مستغلةً غياب الضغط الدولي الفعّال وانشغال العواصم الغربية بالملف الإنساني في القطاع. وفي حين تدقّ المنظمات المدنية الإسرائيلية ناقوس الخطر، فإن تأثيرها يظل محدودًا أمام تغوّل الأيديولوجيا الدينية القومية التي باتت تتحكم بالسياسات العليا للدولة.

إن ما يجري في الضفة ليس مجرد توسع استيطاني جديد، بل عملية ضم فعلية تُنفَّذ خطوة بخطوة، على نحو يجعل من أي تسوية سياسية مستقبلية مجرّد وهم. بهذا المعنى، قد تكون الحرب في غزة مجرد فصل في مسارٍ أعمق يسعى إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها، عبر دمج جغرافي وقانوني تدريجي للضفة الغربية في الكيان الإسرائيلي تحت مظلة “أمنية” مؤقتة لن تطول قبل أن تتحول إلى أمر واقع دائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *