تخطى إلى المحتوى

نظرة استراتيجية عميقة في جوهر أزمة غزة

القضية الفلسطينية ليست أزمة إدارِيّة فحسب، ولا مسألة منصبٍ أو سلطةٍ تزايدت عليها الخلافات؛ بل هي قبل كلّ شيء صراعٌ على المعنى ــ أي على طريقة تسمية الحدث وقراءة تتابعاته وتثبيت خطاب ينسج الذاكرة والسياسة والهوية معًا. حين يُسأل من يحكم غزة؟ فإن السؤال الأدقّ، والأكثر أثرًا استراتيجيًا، هو: من يحكم المعنى؟ لأن السيطرة على المعنى تسبق وتفوق في نتائجها السيطرة المكانية، فالأرض بلا معنى تذبل لتصبح مجرد جغرافيا خالية من الإرث والشرعية.


المعنى كساحة حرب: لماذا هو أهم من الحكم الإداريّ؟

المعنى هنا لا يعني التأويل النظري فحسب، بل يمتد ليشمل: السرد التاريخي، وضعية الضحية والجاني، تعريف الجرائم (إبادة، جرائم حرب، إرهاب)، وإعادة تشييد الذاكرة الجماعية. من يمتلك هذا المخزون الرمزي والتسطيحي يملك قدرةً على:

تغيير الإدراك الدوليّ حول الأحداث (من مقاومة شرعية إلى “محاربة الإرهاب”).

تبييض ممارسات الاحتلال عبر لغة “الأمن” و”الدفاع عن النفس”.

إضفاء شرعية سياسية على ترتيبات لاحقة، سواء عبر تغييرات إدارية أو فرض وقائع على الأرض.

بالتالي، معركة المعنى هي معركة استباقية تفكك إمكانية أي حل عادل قبل أن يبدأ، لأنها تعيد تعريف الشروط والأطراف والمآلات.


أدوات الاستعمار اللغوية والتأريخية: كيف تُعاد تسمية الواقع؟

التاريخ الحديث يزخر بأمثلة على تحويل المعنى ليخدم مشروعًا استعمارياً: تسمية النكبة بـ«حرب استقلال»، والضمّ بصياغات قانونية تهدف لتطبيع المنطق الاستيطاني، وتحويل مقاومة شعبية إلى «إرهاب». هذه العمليات ليست عابرة؛ هي جزء من جهاز عمل ممنهج:

استحواذ على الخطاب الإعلاميّ والدبلوماسي.

تسليع المفاهيم القانونية لصالح من يمتلك القوة.

إعادة كتابة الجغرافيا اللغوية (تسميات، خرائط، مناهج تعليمية).

وهذا ما يجعل مواجهة السرد المضادّ أمراً جوهريًا: لا يكفي تسجيل الشكوى، بل يجب إنتاج خطاب مضادّ قادرٍ على تثبيت معانٍ مغايرة لدى الجمهور المحلي والدولي.


أزمة الوحدة: منطق الوجود قبل منطق المؤسسات

السؤال حول “من يحكم غزة” يفترض بالضرورة سؤالًا سابقًا: من يضمن أن هناك خطابًا فلسطينيًا موحّدًا قادرًا على تأطير المعنى؟ الوحدة ليست مشروعًا إداريًا ينجز بتوقيع أو بحوار تقني، بل هي مشروع وعي وتكافل وحضور مشترك في خريطة المعاناة والحقوق والذاكرة. بدون ذلك، تظلّ أي ترتيبات شكلية عرضة للاختراق والتفصيل على قياسات تُفرض من الخارج. لذا، الأولويات يجب أن تكون:

استعادة اللغة الجامعة (قضايا الحق، العدالة، الذاكرة).

بناء أدوات تمثيل شعبية تُترجم الوجع إلى سياسات قابلة للتطبيق

تحويل تجربة الألم إلى رواية موحّدة تحقن الجناح السياسي والاجتماعي.


المعنى والقانون الدولي: مسار استراتيجي لا بدّ منه

إذا كان الخصم يسعى لتطبيع حرمان الحق عبر فرض معانٍ مغايرة، فالردّ لا يمكن أن يقتصر على الرفض المعنوي، بل يجب أن يتخذ طابعًا قانونيًا واستراتيجيًا؛ أي تحويل السؤال الأخلاقي إلى قضايا قابلة للمعالجة الدولية:

تثبيت تعريفات جرائم الحرب والإبادة في ملفات ثابتة أمام محاكم دولية.

تفعيل قنوات الضغط الدولي والمنظمات الحقوقية لتكريس سرد تُعطى له أولوية قانونية.

ربط ملف المعاناة بآليات ملموسة للمساءلة والمحاسبة.

هذا الطريق طويل لكنه يضع سقفًا شرعيًا يمنع تفريغ المعنى من مسوغات القانون والعدالة.


من الاستراتيجية إلى العمل: عناصر رؤية شاملة

لكي يصبح سؤال “من يحكم المعنى؟” قابلًا للتحويل إلى مشروع عملي، تبدو الحاجة إلى رؤية استراتيجية شاملة تتضمن المحاور التالية:

خطاب مركزي موحّد: صياغة سرد فلسطيني واضح ومترابط قادر على مخاطبة الأنظمة الدولية، والرأي العام العالمي، ووسائط الإعلام بكفاءة مهنية عالية. هذا السرد يجب أن يربط بين الذاكرة والحقوق والوقائع الراهنة.

دبلوماسية حقوقية فعّالة: تحويل ملفات الانتهاكات إلى ملفات قانونية موثقة أمام محاكم دولية ومؤسسات أممية، مع دعم شبكات محامين وحقوقيين دوليين.

حصانة الذاكرة: برامج تعليمية، ثقافية وإعلامية تعزز الذاكرة الجماعية وتصدّ محاولات طمس الهوية والتاريخ. يشمل ذلك إنتاج محتوى رقمي متنوع بلغات متعددة.

إعادة بناء المشروعية الداخلية: إصلاح مؤسسات التمثيل، تأمين مشاركة مجتمعية حقيقية، وخلق آليات شفافة للقرار السياسي الفلسطيني تتجاوز الآليات التقليدية التي فشلت في تحقيق الوحدة.

مقاومة استراتيجية متعددة الأبعاد: لا يقتصر الأمر على العمل السياسي أو المساعي القانونية، بل يشمل شبكات دعم إنسانية، حملات إعلامية رقمية، وشراكات مع حركات تضامن عالمية قادرة على تحويل الحقائق الميدانية إلى ضغط دبلوماسي واقتصادي.


خاتمة: من يحكم المعنى؟ الإجابة هي مدخل الحل

الإحالة إلى من يحكم غزة مفيدة لكنها سطحية إن لم تُعلن الإجابة على من يحكم المعنى. فرضية العمل الاستراتيجي يجب أن تنطلق من أن المعركة الأساسية اليوم هي على الرؤية، واللغة، والشرعية الدولية، والذاكرة. من ينجح في تنظيم هذه المعركة ويحوّلها إلى أدوات عملية، هو الذي سيملك قدرةً فعلية على رسم مستقبل ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني.

ولذلك، لا يكفي الإصرار على مناصحة الطرف على إدارة شؤون غزة؛ المطلوب بناء مشروع طويل النفس يقدّم للمجتمع الفلسطيني والعالم روايةً مقنعة وعادلة تثبت الحق وتردع محاولات الطمس، وتحوّل الانتصار السياسي إلى وصفٍ أخلاقي وقانوني لا ينطوي على تنازل. في هذا الإطار، يصبح سؤال “من يحكم المعنى؟” بوابةً لتحويل الوجع إلى قوة، والذاكرة إلى استراتيجية لها أثر ملموس على الأرض والضمير العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *