منذ نشوء الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط هدفها الجوهري بإقامة دولة قومية لليهود تحظى باعتراف المجتمع الدولي. وقد شكّل هذا الاعتراف حجر الأساس الذي منح إسرائيل عند تأسيسها عام 1948 شرعية قانونية، مستندةً إلى قرارات عصبة الأمم، ولاحقًا الأمم المتحدة، التي منحت اليهود حق تقرير المصير في فلسطين.
لكن اليوم، ومع التحولات السياسية والأمنية المتسارعة، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو المدعومة من اليمين المتطرف وكأنها تنقلب على جوهر الصهيونية ومرتكزاتها.
فالمسألة لم تعد مجرد خلاف داخلي بين اليمين واليسار، بل تحولت إلى قضية وجودية تتعلق بمستقبل إسرائيل: هل ستبقى دولة قومية تتمتع باعتراف دولي، أم ستنزلق نحو عزلة دولية متزايدة تجعلها أقرب إلى “غيتو مسلح” يفتقر إلى الشرعية ويواجه تهديدات استراتيجية بعيدة المدى؟
تُظهر التطورات الراهنة، مع استمرار الإبادة الجماعية في غزة والعربدة الإسرائيلية في المنطقة، أن الشرعية الدولية التي دأبت إليها إسرائيل لعقود باتت في حالة تآكل متزايد. إذ صارت الأمم المتحدة ومعظم المؤسسات الدولية تصدر إدانات متكررة وسيلاً من الانتقادات الحادة لسياسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.
وبالتوازي، تتسارع الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، مدفوعةً بقناعة متنامية بضرورة الانتقال من المواقف الرمزية إلى خطوات عملية تؤسس لحل الدولتين. وهكذا، رغم تشدد سياسات حكومة نتنياهو، فإنها تفضي – من دون قصد – إلى دعم استحقاقات الشعب الفلسطيني وشرعية مطلبه بقيام دولة مستقلة في نظر المجتمع الدولي.
كما لا يمكن أبدًا إغفال حقيقة أن الشرعية الأعمق لأي دولة لا تُقاس فقط باعتراف المؤسسات الدولية، وإنما بقدرتها على بناء علاقات قائمة على التعايش والاعتراف المتبادل. وهنا تكمن المفارقة: فإسرائيل التي وقّعت اتفاق أوسلو وأقرت بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، هي نفسها التي تنكر اليوم هذا الحق بذريعة المخاوف الأمنية بعد أحداث 7 أكتوبر. هذا التراجع يعكس انفصالًا متزايدًا بين الخطاب الرسمي والسياسات الفعلية.
إن إنكار الوجود الفلسطيني أو اختزال الأرض باعتبارها “ملكية حصرية” للشعب اليهودي يتناقض مع الحقائق التاريخية والسياسية. واستمرار هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تكريس مأزق أخلاقي وسياسي لإسرائيل، يضعف قدرتها على تحقيق الاستقرار الداخلي أو نسج علاقات طبيعية مع محيطها الإقليمي والدولي.
ولعل المقولة الشهيرة للمفكر اليهودي “أحاد هعام” في مقال كتبه قبل قيام إسرائيل “هذا ليس هو الطريق” يتجدد صداها اليوم، في ظل هيمنة المتطرفين على ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن. لذلك، فإذا لم يدرك التيار العلماني والليبرالي في إسرائيل خطورة هذا المسار، سيتحول بمرور الزمن إلى “حمار المسيح” الذي يخدم أجندات اليمين المتطرف.