سؤال أطرحه على العقلاء من الشعب الإسرائيلي:
هل تملك إسرائيل اليوم القدرة على التأثير في القرار الأمريكي إلى حدّ تعديل الرسوم الجمركية، أو إعادة توجيه السياسة الاستراتيجية في واشنطن؟
دعونا نكن صريحين، فالجواب ببساطة “لا”.
من هذه النقطة تحديدًا يمكن الانطلاق نحو استنتاج مفاده أن كل ما يُروَّج له في الإعلام الإسرائيلي حول النفوذ اللامحدود داخل الكونغرس أو البيت الأبيض، ليس سوى مبالغة تخفي واقعًا مختلفًا تمامًا.
فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تكن يومًا علاقة نفوذ متكافئ، بل صيغة معقدة من التبعية المتبادلة غير المتوازنة؛ حيث تتحوّل إسرائيل، في كثير من الأحيان، إلى ذراع تنفيذية لإرادة الولايات المتحدة، أكثر من كونها شريكًا يملك حرية القرار.
من هنا، يصبح من السهل فهم إصرار حكومة نتنياهو على اتهام حماس بخرق الاتفاق الأخير، لا بوصفه موقفًا سياسيًا فحسب، بل كترجمة لواقع أعمق، وهو أن اتفاق غزة فُرض على إسرائيل فرضًا من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضمن رؤية أمريكية أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي بما يتجاوز إرادة تل أبيب.
لكن السؤال الأهم:
لماذا تُصر إسرائيل على استئناف القتال في غزة، رغم إدراكها لمخاطر تصاعد الخسائر البشرية في صفوف الجيش؟
الجواب على الأرجح أن هذا الإصرار يعكس وجود رفض داخلي لاتفاق تم تحت ضغط خارجي.
أليست صدفة أن الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين لم يكن ليتم دون تدخل الرئيس الأمريكي؟
أليست صدفة أن حربًا استمرت لعامين توقفت بأمر صادر من البيت الأبيض؟
أليست صدفة أيضًا، أنه خلال التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران، عادت الطائرات الإسرائيلية من طريقها إلى طهران استجابة لتوجيه أمريكي مباشر؟
كل هذه الوقائع، وغيرها، تثبت أن إسرائيل يمكن إدارتها من الخارج، فقط عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا لواشنطن.
وحتى الزيارات المكوكية التي أجراها المسؤولون الأمريكيون مؤخرًا إلى إسرائيل، والتي يُروَّج لها كدليل على متانة التحالف الاستراتيجي، تحمل في جوهرها رسائل تحذير، لا دعم وتأييد مطلق.
فحتى الاحتفاء الإسرائيلي المبالغ فيه بدور ترامب وتصويره كبطل سلام يستحق جائزة نوبل، لم يكن سوى تعبير عن حالة تبعية نفسية وسياسية، تكشف عن إدراك دفين بأن المشروع الصهيوني، مهما بلغت قوته العسكرية والتكنولوجية، لا يستطيع البقاء دون مظلة أمريكية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الولايات المتحدة بمثابة “ولي أمر إسرائيل”، تراقب أفعالها وتعيد توجيهها كلما انحرفت عن المسار المرسوم. إذًا، فالمسألة هنا ليست فقدانًا للسيادة بقدر ما هي تحوّل في موازين الإرادة السياسية؛ إذ أصبحت واشنطن هي من تدفع الثمن السياسي والأخلاقي والدبلوماسي لسلوك تل أبيب في المنطقة.
في ضوء ذلك، فإن المنطق يقتضي التحرر من السردية المضللة التي تُغذّي الهوس الأمني وأوهام النفوذ المطلق، كخطوة أولى نحو إدراك الواقع كما هو. فلا البقاء يتحقق بالصخب، ولا الأمن يُصنع بالاستقواء، بل بالتعقّل والتوازن والقدرة على التكيّف مع محيط إقليمي لم يعد يحتمل الغطرسة ولا رواية التفوق المزعوم.