أولًا: من الاغتيال الفردي إلى الاغتيال الهيكلي
منذ السابع من أكتوبر، أعادت إسرائيل صياغة منظومتها الأمنية على نحوٍ جوهري؛ إذ انتقلت من عقيدة الاغتيالات الانتقائية التي استهدفت قادة بعينهم ضمن سلسلة عمليات محدودة، إلى عقيدة الاغتيال الجماعي التي تطال البنية القيادية الكاملة للخصم – السياسية والعسكرية والأمنية. لم يعد القتل وسيلة لتصفية شخصية محورية فحسب، بل أصبح أداة لتفكيك “العقل الجماعي” للمنظمة المعادية وإحداث فراغ قيادي واسع يُعطّل قدرتها على اتخاذ القرار ويُفكك شبكات القيادة والسيطرة.
هذا التحوّل تجسّد ميدانيًا في عمليات متزامنة استهدفت هياكل القيادة لدى حزب الله، وحماس، والقيادة العسكرية الإيرانية، وعلماء البرنامج النووي، وصولًا إلى محاولة استهداف القيادة الإيرانية العليا، ثم ضرب الحكومة الحوثية في صنعاء. وهكذا أصبحت الاغتيالات الجماعية ركيزة مركزية في العقيدة الإسرائيلية الجديدة، توازي في أهميتها أدوات الحرب التقليدية.
ثانيًا: دوافع التحوّل – من ثأر الردع إلى ترميم صورة الهيمنة
جاء هذا التحوّل استجابةً مباشرة لهزة السابع من أكتوبر التي كسرت صورة الردع الإسرائيلي، وأصابت المؤسسة الأمنية والعسكرية بصدمة وجودية. فالهجوم المفاجئ نزع عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية وهم الحصانة وأظهر هشاشة منظومات المراقبة والاستخبار، ما دفع حكومة نتنياهو إلى تبني خيار يقوم على الانتقام المنهجي من قادة الأعداء كوسيلة لاستعادة الثقة الداخلية وردع الخصوم إقليميًا.
ارتكز هذا الخيار إلى ثلاثة محددات:
دعم أميركي مفتوح يوفّر الغطاء السياسي والتقني والعسكري، ويحيد القيود القانونية الدولية.
تفوق استخباري وتكنولوجي غير مسبوق مكّن تل أبيب من استهداف الخصوم بدقة متناهية.
اعتبارات داخلية تتعلق بحاجة اليمين الإسرائيلي لإثبات قدرته على “استعادة الردع” وإعادة إنتاج صورة الجيش الذي لا يُقهر.
بهذا المعنى، كان التحول نحو “الاغتيال الجماعي” ردًا على أزمة هوية أمنية أكثر منه مجرد خيار تكتيكي.
ثالثًا: أدوات التنفيذ – هندسة استخباراتية وتفوّق تقني
تراكم استخباري طويل الأمد
قادت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، على مدى سنوات، عمليات اختراق متواصلة لبيئات حزب الله وإيران، تمخضت عن تجنيد عملاء في دوائر ضيقة للغاية، ورصد أنماط حياة القيادات العسكرية والسياسية بدقة غير مسبوقة. بلغت ذروة هذا التغلغل في ما عُرف بـ”هجوم البيجر”، الذي مثّل تتويجًا لسنوات من العمل الشبكي والاستخباري المعقّد.
كما استثمرت إسرائيل بكثافة في الاستخبارات الرقمية، فحوّلت الهواتف الذكية إلى أدوات مراقبة دائمة تتيح تتبع المواقع والتحركات والاجتماعات، حتى أصبح غياب الإشارات الرقمية مؤشرًا أمنيًا بحد ذاته يثير الاشتباه.
تفوق هجومي في بيئات رخوة
تُنفَّذ الاغتيالات الإسرائيلية في بيئات تفتقر إلى الدفاعات الجوية الفاعلة: غزة، الضاحية الجنوبية، صنعاء، وسوريا. وحتى إيران، رغم امتلاكها منظومات محلية وروسية، تواجه صعوبة في تأمين مجالها الجوي في مواجهة اختراقات إسرائيلية مدعومة بغطاء أميركي إقليمي. هذه الهشاشة سمحت لتل أبيب بتطبيق استراتيجية “الضربات المركّزة بحرية كاملة” دون خشية ردع مضاد مباشر.
رابعًا: الأثر والفاعلية – مكاسب مؤقتة أم استراتيجية طويلة الأمد؟
أنتجت سياسة الاغتيال الجماعي مجموعة مكاسب أمنية وسياسية، تمثلت في:
شلّ القيادة والسيطرة وإرباك آليات اتخاذ القرار.
تصفية كوادر عالية الكفاءة والخبرة في مجالات حيوية (النووي، الصاروخي، الاستخبار).
تعزيز الردع النفسي عبر خلق بيئة “لا أحد آمن”، حتى داخل العواصم البعيدة.
استخدامها كورقة تعبئة داخلية تعيد الثقة بالجهاز الأمني وتغذي الرواية القومية الإسرائيلية.
بديل منخفض الكلفة للحروب الطويلة، إذ تحقق أهدافًا استراتيجية بتكلفة بشرية وسياسية محدودة.
غير أن هذه المكاسب تواجه حدودها؛ فكل اغتيال يُنتج موجة انتقام جديدة، ويغذي رواية المقاومة لا انكسارها، كما أن التنظيمات الهرمية تُعيد إنتاج نفسها بسرعة، وتتحول تدريجيًا إلى بُنى قيادية لا مركزية يصعب استهدافها بنفس المنهج.
خامسًا: التباين في النتائج بين الخصوم
إيران: خسائر نوعية مؤلمة، لكنها غير بنيوية؛ بنية الحرس الثوري والمؤسسات العسكرية قادرة على إعادة البناء بسرعة. تشير الدلائل إلى استعدادات مسبقة لخطط خلافة قيادية تشمل حتى موقع المرشد لضمان استمرارية النظام.
حزب الله: اغتيال نصر الله وصفي الدين شكّل ضربة صاعقة للنواة الكاريزمية للحزب، وخلق فراغًا قياديًا ونفسيًا واسعًا. لكن التجربة الإيرانية ستسعى سريعًا لترميم الحزب وإعادة هيكلته.
حماس: استنزاف طويل المدى أصاب القيادة السياسية والعسكرية، ومع ذلك أظهرت الحركة مرونة نسبية، إذ انتقل مركز القرار إلى الخارج دون انهيار داخلي شامل.
الحوثيون: تضرر سياسي ومعنوي محدود، مع بقاء الهيكل العسكري متماسكًا بفضل الطبيعة الجغرافية الحصينة وصعوبة الاختراق الاستخباري في اليمن.
سادسًا: المخاطر الاستراتيجية والعواقب غير المقصودة
تصاعد الرغبة في الانتقام: كل عملية تزرع بذور دورة صراع جديدة.
تآكل الشرعية الدولية لإسرائيل: استهداف عواصم ذات سيادة يعمّق عزلتها ويزيد احتمالات المقاطعة.
ارتداد نفسي معاكس: تعميم الخوف على الخصوم يقابله تآكل الثقة الداخلية إذا فشلت العمليات في تحقيق أمن فعلي.
سابعًا: آفاق العقيدة الإسرائيلية – من الحرب الصلبة إلى الاغتيال الذكي
من المرجح أن تتطور هذه العقيدة نحو تنويع الأدوات:
دمج الاغتيال المادي بالاغتيال الإلكتروني (Cyber Kill) الذي يستهدف تعطيل البنى القيادية رقمياً.
اعتماد التمويه العملياتي لإخفاء بصمات إسرائيل وتفادي المحاسبة الدولية.
زيادة التنسيق مع حلفاء إقليميين لتوفير مجالات جوية آمنة ومسارات عبور سرّية.
لكن نجاح هذه العقيدة سيبقى مشروطًا باستمرار الغطاء الأميركي وتفوق “إسرائيل” التقني؛ فإذا فُرضت عليها قيود أو واجهت ردعًا إقليميًا مضادًا، فقد يتحول سلاح الاغتيالات إلى عبءٍ استراتيجي يفقد أثره الردعي ويعيد إشعال الصراع بنسق أوسع.
ثامنًا: ملامح العقيدة المضادّة – من القيادة المرئية إلى المنظومة الذكية المرنة
في المقابل، تعمل القوى المستهدفة على صياغة عقيدة مواجهة مضادّة تتضمن:
لامركزية القيادة عبر مصفوفات خلافة مرنة، ومراكز عمليات متنقلة محمية.
تعقيم الاتصالات وتطوير شبكات بديلة غير رقمية تمنع الاختراق.
أمن سيبراني واستخبارات مضادة لتقليص قدرة الرصد الإسرائيلي.
تدريب دوري على سيناريوهات فقد القيادة بما يضمن “إعادة التشغيل المؤسسي” خلال ساعات لا أسابيع.
تفويض تكتيكي واسع وتوزيع الصلاحيات الميدانية لتقليص أثر الضربة الأولى.
الهدف: تحويل أي اغتيال من صدمة شاملة إلى حادث تكتيكي محدود التأثير لا يغيّر مسار الصراع.
خلاصة تحليلية: من ردع الوجود إلى إدارة الفوضى
تُظهر التجربة منذ أكتوبر أن إسرائيل انتقلت من مرحلة إدارة التهديدات إلى إدارة الفوضى الإقليمية عبر أدوات اغتيال دقيقة وشبه دائمة، لتُبقي خصومها في حالة استنزاف متصل دون حرب شاملة. لكن هذه العقيدة تحمل في جوهرها مفارقة استراتيجية: فكل نجاح تكتيكي في القتل يراكم فشلًا استراتيجيًا في الأمن؛ وكل رأس يُقطع يولّد ذاكرة مقاومة جديدة تُبقي جذوة الصراع مشتعلة.
بذلك، قد يكون الاغتيال الجماعي ذروة القوة الإسرائيلية… وبداية تآكلها الاستراتيجي أيضًا.